عبد الوهاب الشعراني
200
تنبيه المغترين
ولما اعتزل عن الناس داود الطائي رحمه اللّه تعالى لامه أصحابه في ذلك ، فقال : إنما فعلت ذلك حين رأيت الصغير لا يوقر الكبير ورأيت أخي يحصي علي عيوبي ليهجوني بها حال سخطه علي ، وكان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول : أقل ما في العزلة عن الناس أن الإنسان لا يرى منكرا فينكره ، وكان بشر بن منصور رحمه اللّه تعالى يقول : أقلل من معرفة الناس جهدك فإنك لا تدري ماذا يقع لك من الفضيحة والعياذ باللّه تعالى فيكون من يعرفك من الناس قليلا ، وكان أيوب السختياني رحمه اللّه تعالى يقول : إن من العزلة عن الناس إذا خرجت لحاجة أن تقصد المشي في المواضع القليلة الناس ، وقد كان لعمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى ولد اسمه عبد اللّه كان له سرداب يجلس فيه لا يخرج منه إلا أوقات الصلاة . وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : هذا زمان السكوت ولزوم البيوت والقنع بالقوت إلى أن تموت ، وكان مكحول رحمه اللّه يقول إن كان في مجالسة الناس خير فالعزلة عنهم أسلم للدين ، وكان سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى يقول : اجتمعت بأبي حبيب البدري رضي اللّه عنه فقال لي يا سفيان ما رأينا خيرا قط إلا من اللّه تعالى فما لنا لا نقبل على من لا نرى الخير إلا منه . وقد رأيت إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى بالشام فقلت له يا أبا إسحاق إنك قد تركت خراسان وجلست ههنا ، فقال : نعم ما هنأ لي العيش إلا هنا أفر بديني من جبل إلى جبل فمن رآني ظن أني ملاح أو جمال أو موسوس ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا الناس وهم دواء يستشفى به فصاروا اليوم داء لا دواء له . وكان حماد بن زيد رحمه اللّه تعالى يقول : زرت مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى فرأيت عنده كلبا بحذائه فأردت أن أطرده فقال لي : دعه يا حماد فإنه خير من جليس السوء الذي يغتاب الناس عندي ، ولما قدم عبد اللّه بن المبارك من البصرة إلى بغداد سأل عن محمد بن واسع رحمهما اللّه تعالى فلم يعرفه أحد ، فقال عبد اللّه : إنه من فضله لم يعرف وازداد فيه محبة وتعظيما . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : رأيت مرة رجلا معتزلا عن الناس فقلت له : لم لا تخالط الناس ، فقال لي إني مشغول عنهم بما هو أهم ، فقلت له : وما هو ؟ فقال : إني أصبح كل يوم بين نعمة وبين ذنب فأنا مشغول بالشكر لأجل النعمة وبالاستغفار لأجل الذنب ، فقلت له : أنت أفقه من الحسن اجلس وحدك يا أخي .